محمد الغزالي

239

فقه السيرة ( الغزالي )

فلما ووريت جثثهم ، وأهيل التراب على رفاتهم ، انصرف الناس وهم يشعرون أنّ أئمة الكفر قد استراح الدين والدنيا من شرورهم ؛ إلا أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم استعاد ماضيه الطويل في جهاد أولئك القوم ، كم عالج مغاليقهم ، وحاول هدايتهم ؟ ! وكم ناشدهم اللّه ، وخوّفهم عصيانه ، وتلا عليهم قرانه ؟ ! وهم - على طول التذكير - يتبجّحون ، وباللّه وآياته ورسوله يستهزئون ، فخرج « 1 » النبي صلى اللّه عليه وسلم في جوف الليل حتى بلغ القليب المطويّ على أهله ، وسمعه الصحابة يقول : « يا أهل القليب ! يا عتبة بن ربيعة ! يا شيبة بن ربيعة ! يا أمية بن خلف ! يا أبا جهل بن هشام ! هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا ؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقا » ! . فقال المسلمون : يا رسول اللّه ! أتنادي قوما جيّفوا ؟ ! قال : « ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ! ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني « 2 » » . كانت واقعة بدر في السابع عشر من رمضان لسنتين من الهجرة ، وقد أقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببدر ثلاثا ، ثم قفل عائدا إلى المدينة يسوق أمامه الأسرى

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه ابن إسحاق : 2 / 74 ، حدثني حميد الطويل عن أنس به ، وهذا سند صحيح ، وحميد وإن كان مدلّسا ، فإنّ ما يرويه معنعنا عن أنس بينهما ثابت البناني ، كما ذكروا في ترجمته ، وهو ثقة من رجال الشيخين ؛ وقد أخرجه أحمد : 3 / 104 ، 182 ، من طرق عن حميد به . وقال الحافظ ابن كثير 3 / 292 : إنّه على شرط الشيخين . قلت : وقد وصله مسلم : 8 / 163 ؛ وأحمد : 2 / 219 ، 287 ، من طريق حمّاد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ؛ ورواه أحمد : 3 / 145 ، من طريق قتادة عن أنس ، لكن رواه البخاري : 7 / 240 - 241 ، من طريقه قال : ذكر لنا أنس عن أبي طلحة ، فجعله من سند أبي طلحة ، وهو الأصحّ كما قال الحافظ ابن كثير وابن حجر ؛ ثم أخرجه مسلم والطيالسي : 2 / 97 - 98 ، ترتيب الشيخ أحمد البنا ؛ وأحمد ، رقم ( 182 ) من طريق سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن أنس ، عن عمر . فالظاهر أن أنس لم يسمعه منه صلى اللّه عليه وسلم ، إنما رواه عنه بواسطة الصحابة ؛ فكان تارة يرسله ، وتارة يوصله ، والحديث رواه غير من ذكر من الصحابة عبد اللّه بن عمر ؛ أخرجه البخاري : 7 / 242 ، وغيره . وفي الباب عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما . وأما إنكار عائشة الذي ذكره المؤلف في التعليق فقد أنكره العلماء ، وبيّنوا أنّ الصواب بجانب الذين رووا هذا الحديث . راجع : البداية ، لابن كثير ؛ والفتح ، لابن حجر . وعندي أنّه لا تعارض بين روايتهم وروايتها ، بل يمكن الجمع بينهما ، وهو الصواب كما بيّنته في ( أحكام الجنائز وبدعها ) . ( 2 ) تنكر عائشة هذا الحديث محتجّة بقول اللّه تعالى : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ( 23 ) [ فاطر ] وتقول : إنّ اللفظ الذي قاله الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « ما أنتم بأعلم لما أقول منهم » .